أبي منصور الماتريدي

586

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قال الشيخ - رضى الله تعالى عنه - : وفي قوله : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ، وجهان : أحدهما : على الكفرة . وفي ذلك دليل قبول شهادة المسلمين عليهم ، ورد شهادتهم عليهم ، لما يتناقض فيزول منفعة الشهادة عليهم . والثاني : ليكون من شهد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، شهود على من يكون بعدهم . وفي ذلك دليل من تأخر الصحابة ، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، عن الخلاف لهم ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً إذا خالفتموه وعصيتموه . وقوله : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ . فهذا - والله أعلم - لما كانوا في المتابعة على قسمين : منهم من تبعه لما وافق هواه . ومنهم من تبعه لما علم أنه الحق من عند الله عزّ وجل ؛ ليبين « 1 » لهم ويقع علم ذلك عندهم : من المتبع له بهواه ، ومن المتبع له بالأمر والطاعة له . وقيل أيضا في قوله : إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ، قيل : ليعلم من يتبع الرسول ما قد علم أنه يكون كائنا ، وليعلم ما قد علم أنه يوجد موجودا . وقيل : إنه يجوز أن يراد بالعلم المعلوم . معناه - والله أعلم - إلا ليكون المتبع له ، والمنقلب على عقبيه . ثم الأصل في هذا ونحوه من قوله : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [ محمد : 31 ] ، أنا لا نصف الله تعالى بالعلم في الخلق ، قال : غير الحال التي الخلق عليها ؛ لأن وصفنا إياه بالعلم على غير الحال التي عليها الخلق يومئ إلى وصفه بالجهل ؛ لأنه لا يجوز أن يقال : يعلم من الساكن في حال السكون حركة ، أو السكون في حال الحركة ، أو يعلم من الجالس قياما ، أو القائم « 2 » جلوسا . وكذلك لا يجوز أن يقال : يعلم من العدم موجودا ، أو من الوجود معدوما في حال وجوده ؛ لأنه وصف بعلم ما ليس ، وهو محال . وبالله العصمة . وقيل : إن كل علم يذكر على حدوث المعلوم يذكر بذكر الوقت للمحدث - بفتح الدال - أي : يسند علمه إلى المحدث بذكر الوقت ؛ لئلا يفهم بذكره قدم المعلوم في

--> ( 1 ) في أ : فامتحنهم الله عزّ وجل ليبين . ( 2 ) في أ ، ط : النائم .